سقوط النظام الدكتاتوري البائد ويوم تحرير العراق: فجر جديد في تاريخ بلاد الرافدين
يعد يوم التاسع من نيسان علامة فارقة في الوجدان العراقي المعاصر، فهو اليوم الذي شهد طي صفحة عقود من الحكم الدكتاتوري الشمولي الذي جاثم على صدور العراقيين لأكثر من ربع قرن. إن "يوم سقوط النظام الدكتاتوري البائد وتحرير العراق"، المعروف أيضاً بيوم "تحرير بغداد"، ليس مجرد عطلة رسمية عابرة في التقويم، بل هو رمز للانتقال من حقبة الخوف والقمع والمقابر الجماعية إلى فضاء الحرية والتعددية والديمقراطية. في هذا اليوم، يستذكر العراقيون تلك اللحظات التاريخية التي هزت العالم حين سقطت تمثال الدكتاتور في ساحة الفردوس بقلب العاصمة بغداد، معلنةً نهاية سلطة الفرد الواحد وبداية عهد جديد يبنيه الشعب العراقي بإرادته.
ما يجعل هذا اليوم مميزاً هو عمق المشاعر المتضاربة التي يحملها؛ فهي ذكرى للخلاص من نظام تسبب بحروب عبثية وحصار اقتصادي خانق وعمليات إبادة جماعية، وفي الوقت نفسه هي دعوة للتأمل في مسيرة بناء الدولة وتجاوز التحديات التي تلت عام 2003. بالنسبة لملايين العراقيين، وتحديداً في إقليم كردستان والمناطق التي عانت من بطش النظام، يمثل التاسع من نيسان "يوم الحرية" الذي فتح الأبواب أمام تقرير المصير، والاعتراف بالحقوق القومية والسياسية، والاحتفاء بالهوية العراقية المتنوعة. إنه يوم لتجديد الأمل في استكمال بناء المؤسسات الدستورية وضمان عدم عودة الدكتاتورية بأي شكل من الأشكال.
إن جوهر هذا اليوم يكمن في كونه جسراً بين ماضٍ مؤلم ومستقبل منشود. فبينما يستذكر الناس ضحايا النظام البائد من الشهداء والمغيبين، فإنهم يتطلعون بعيون ملؤها التفاؤل نحو تعزيز أسس السلم الأهلي والازدهار الاقتصادي. الاحتفال بهذا اليوم يعكس إصرار العراقيين على المضي قدماً رغم كل الصعاب، مؤكدين أن إرادة الشعوب في نيل حريتها هي القوة الوحيدة التي لا تقهر، وأن فجر التاسع من نيسان كان البداية لرحلة طويلة نحو عراق ديمقراطي تعددي يحترم كرامة الإنسان.
متى يصادف هذا اليوم في عام 2026؟
يتم إحياء هذه الذكرى الوطنية في موعد ثابت من كل عام، وهو التاسع من نيسان. وفي العام المقبل، سيوافق هذا اليوم التاريخي يوم Thursday، المصادف April 9, 2026.
بناءً على التوقيت الحالي، يتبقى 96 يوماً على حلول هذه المناسبة الوطنية الهامة. ومن الجدير بالذكر أن هذا التاريخ ثابت في التقويم الميلادي ولا يتغير، حيث يرتبط بالحدث العسكري والسياسي الفعلي الذي وقع في عام 2003، مما يجعله موعداً سنوياً راسخاً في ذاكرة الأجيال.
الجذور التاريخية والسياق السياسي للسقوط
لفهم أهمية هذا اليوم، يجب العودة بالذاكرة إلى الأجواء التي سبقت ربيع عام 2003. كان العراق يرزح تحت حكم حزب البعث بقيادة صدام حسين منذ عام 1979، وهي فترة اتسمت بالحروب المدمرة، بدءاً من الحرب العراقية الإيرانية التي استنزفت موارد البلاد وبشرها لثماني سنوات، وصولاً إلى غزو الكويت وما تبعه من حرب الخليج الثانية وفرض حصار دولي شامل أدى إلى تدهور معيشي غير مسبوق.
في 20 آذار 2003، بدأت عملية "حرية العراق" بقيادة قوات التحالف الدولي (بشكل أساسي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة). تقدمت القوات بسرعة عبر الأراضي العراقية، وفي التاسع من نيسان، تمكنت هذه القوات من دخول قلب العاصمة بغداد. كانت اللحظة الأكثر رمزية التي بثت للعالم أجمع هي لحظة إسقاط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس بمساعدة الآليات العسكرية وحشود من المواطنين العراقيين الذين عبروا عن فرحتهم العارمة بنهاية الكابوس.
لم يكن سقوط النظام مجرد تغيير في هرم السلطة، بل كان انهياراً لمنظومة أمنية وحزبية هيمنت على كل مفاصل الحياة. بالنسبة للأكراد في الشمال، كان هذا اليوم تتويجاً لنضال مرير ضد حملات الأنفال سيئة الصيت والقصف الكيمياوي في حلبجة، وهو ما مهد الطريق للاعتراف الدستوري بإقليم كردستان ككيان اتحادي. أما في الجنوب والوسط، فقد مثل الخلاص من سياسات التجفيف للأهوار والقمع الممنهج للانتفاضات الشعبية. رغم أن السنوات التي تلت السقوط شهدت تحديات أمنية كبيرة وظهور جماعات إرهابية، إلا أن التاسع من نيسان يظل في الذاكرة السياسية كنقطة الانطلاق نحو صياغة دستور دائم وإجراء أول انتخابات ديمقراطية حرة في تاريخ العراق الحديث.
مظاهر الاحتفال والأجواء العامة
تتسم الأجواء في العراق خلال هذا اليوم بمزيج من الاحتفاء الرسمي والشعبي، مع تركيز خاص على قيم الحرية والتحرر من الظلم. وتختلف حدة وطريقة الاحتفال بين منطقة وأخرى بناءً على الخصوصية الجغرافية والتاريخية:
- الاحتفالات في إقليم كردستان:
يعتبر التاسع من نيسان في مدن مثل أربيل والسليمانية ودهوك يوماً للفرح القومي الكبير. تخرج الجماهير بملابسها الكردية التقليدية الزاهية، وتُقام المهرجانات الخطابية والفنية التي تمجد تضحيات البيشمركة وضحايا النظام السابق. بالنسبة للكرد، هذا اليوم هو "عيد التحرير" الذي أزال التهديد الوجودي عن شعبهم وسمح لهم ببناء تجربة ديمقراطية واقتصادية ناجحة أصبحت نموذجاً في المنطقة.
- الفعاليات الرسمية في بغداد والمحافظات:
تقيم الحكومة العراقية مراسم رسمية تتضمن إلقاء كلمات لكبار المسؤولين، يتم فيها التأكيد على وحدة العراق والالتزام بالمسار الديمقراطي. كما تُنظم ندوات فكرية وتاريخية تستعرض جرائم النظام البائد لتعريف الأجيال الجديدة بما عاناه آباؤهم، ولترسيخ مبادئ حقوق الإنسان. القنوات الفضائية ووسائل الإعلام المحلية تخصص برامجها لعرض وثائقيات عن أحداث عام 2003، ولقاءات مع أشخاص شهدوا لحظة السقوط.
- التجمعات الشعبية والوطنية:
في العديد من الساحات العامة، يتجمع المواطنون بشكل عفوي للتعبير عن اعتزازهم بالحرية. لا توجد طقوس دينية أو أطعمة محددة مرتبطة بهذا اليوم، لكن الطابع العام هو طابع مدني وطني. يرفرف العلم العراقي في كل مكان، وتُعلق لافتات تشيد بالشهداء الذين سقطوا في طريق الخلاص من الدكتاتورية.
- أجواء التذكر والتأمل:
بالنسبة للكثير من العائلات، خاصة تلك التي فقدت أحبة في سجون النظام أو في المقابر الجماعية، يكون هذا اليوم فرصة لزيارة أضرحة الشهداء والنصب التذكارية، حيث يمتزج الفرح بالتحرر مع الحزن على فقدان الأحبة، مما يضفي صبغة إنسانية عميقة على المناسبة.
تقاليد وعادات مرتبطة بالذكرى
بما أن هذه المناسبة حديثة نسبياً (منذ 2003)، فإن التقاليد المرتبطة بها لا تزال في طور التشكل، وهي تختلف عن الأعياد الدينية التقليدية. ومع ذلك، برزت بعض الممارسات التي أصبحت تتكرر سنوياً:
زيارة النصب التذكارية: يحرص الكثيرون على زيارة "نصب الشهيد" في بغداد أو المتاحف التي توثق جرائم النظام السابق، مثل متحف "أمنة سوركا" (الأمن الأحمر) في السليمانية، الذي كان سجناً رهيباً وتحول إلى معلم يزوره الآلاف في يوم التحرير.
المنتديات الثقافية: تُعقد جلسات شعرية وأدبية تركز على أدب المقاومة والحرية، حيث يقرأ الشعراء قصائد تمجد الخلاص من القيود وتدعو لبناء مستقبل مشرق للعراق.
الأنشطة المدرسية والجامعية: قبل حلول العطلة، تقوم المؤسسات التعليمية بتنظيم فعاليات توعوية حول الدستور العراقي والحقوق والحريات التي كفلها النظام الجديد، لتعزيز الوعي السياسي لدى الشباب.
معلومات عملية للزوار والمغتربين
إذا كنت تخطط لزيارة العراق أو كنت مقيماً أجنبياً خلال شهر نيسان، فإليك بعض النقاط الهامة التي يجب مراعاتها بخصوص يوم التاسع من نيسان 2026:
حالة الطقس: يعتبر شهر نيسان من أجمل الشهور في العراق. الطقس في بغداد والمناطق الوسطى والجنوبية يكون دافئاً ومعتدلاً، حيث تتراوح درجات الحرارة بين 20 و30 درجة مئوية، مما يجعله وقتاً مثالياً للتنزه وحضور الفعاليات الخارجية. في إقليم كردستان، تكون الأجواء ربيعية ساحرة مع اخضرار الجبال واعتدال الجو.
الإغلاقات والمواصلات: بما أنه عطلة رسمية، فإن جميع الدوائر الحكومية والمدارس والجامعات والبنوك ستكون مغلقة. في حين تظل معظم الأسواق والمولات والمطاعم مفتوحة، قد تشهد بعض الطرق في بغداد، خاصة القريبة من المنطقة الخضراء أو الساحات العامة الكبرى، إجراءات أمنية مشددة أو إغلاقات مؤقتة لتأمين الاحتفالات، لذا يُنصح بمتابعة أخبار المرور المحلية.
الأمن والسلامة: كما هو الحال في أي مناسبة وطنية كبرى، ترفع القوات الأمنية درجة استعدادها. يُنصح الزوار بالبقاء في المناطق المعروفة وحمل الهوية الشخصية دائماً، ومتابعة توجيهات السفارات أو الجهات الرسمية. العراقيون شعب مضياف جداً، والترحيب بالأجانب في هذا اليوم يكون كبيراً، خاصة عند إبداء الاحترام لتاريخهم ونضالهم ضد الدكتاتورية.
التسوق والخدمات: القطاع الخاص عادة ما يستمر بالعمل، لذا لن تجد صعوبة في العثور على الخدمات الأساسية. ومع ذلك، يفضل إنهاء المعاملات الرسمية أو المصرفية قبل يوم التاسع من نيسان لتجنب التأخير الناجم عن العطلة.
هل هو عطلة رسمية؟
نعم، يعتبر يوم التاسع من نيسان عطلة رسمية رسمية في جمهورية العراق.
نطاق العطلة: تُطبق العطلة في جميع أنحاء البلاد، من البصرة جنوباً إلى زاخو شمالاً. ومع ذلك، فإن الزخم الأكبر للعطلة والاحتفاء بها يظهر بوضوح شديد في إقليم كردستان وفي العاصمة بغداد.
ما الذي يغلق؟:
الوزارات والدوائر الحكومية والمؤسسات التابعة للدولة.
المؤسسات التعليمية (المدارس، المعاهد، والجامعات).
المصارف الحكومية والأهلية.
البعثات الدبلوماسية والقنصليات قد تعتمد العطلة أيضاً.
ما الذي يبقى مفتوحاً؟:
المستشفيات وأقسام الطوارئ (تعمل بنظام الخفارات).
المراكز التجارية (المولات)، المطاعم، والمقاهي (التي تشهد إقبالاً كبيراً في هذا اليوم).
* المطارات والمنافذ الحدودية (تستمر الرحلات الجوية كالمعتاد، لكن يفضل التأكد من جداول النقل البري).
في الختام، يظل يوم التاسع من نيسان 2026 محطة لاستذكار دروس الماضي واستلهام القوة لبناء عراق يتسع لجميع أبنائه. إنه يوم يذكرنا بأن ثمن الحرية غالٍ، وأن الحفاظ عليها يتطلب تكاتف جميع العراقيين بمختلف أطيافهم. سواء كنت مواطناً يحتفل بذكرى الخلاص، أو زائراً يكتشف تاريخ هذا البلد العريق، فإن هذا اليوم يقدم صورة حية عن إرادة الحياة التي يتميز بها شعب بلاد الرافدين. مع بقاء 96 يوماً على هذه المناسبة، يستعد العراق لاستقبال ربيع جديد يجدد فيه العهد على أن تظل شمس الحرية مشرقة فوق ربوعه.