شهر رمضان المبارك في العراق: دليل شامل لاستقبال الشهر الفضيل
يعتبر شهر رمضان المبارك في العراق أكثر من مجرد فريضة دينية؛ إنه حالة شعورية وروحية واجتماعية متجذرة في وجدان الشعب العراقي. يمثل هذا الشهر التاسع في التقويم الهجري ذروة التقوى والترابط الأسري، حيث يمتنع المسلمون في كافة أنحاء البلاد، من زاخو شمالاً إلى الفاو جنوباً، عن الطعام والشراب والملذات من الفجر وحتى غروب الشمس. إن جوهر رمضان في العراق يكمن في "اللمة" العراقية الشهيرة، وفي أصوات المآذان التي تملأ سماء بغداد والبصرة والموصل، وفي رائحة الخبز الحار والشوربة التي تفوح من البيوت قبيل الإفطار. إنه وقت لتطهير النفس، وتجديد الإيمان، وإظهار التكافل الاجتماعي في بلد واجه الكثير وما زال يتمسك بقيمه الأصيلة.
تتميز بداية رمضان في العراق بطقوس خاصة تبدأ من "التحري" أو مراقبة الهلال، حيث تترقب العوائل العراقية بلهفة إعلان ثبوت الرؤية من قبل المراجع الدينية والهيئات الشرعية. وبمجرد تأكيد الخبر، تتبدل ملامح الشوارع والأسواق؛ فتمتلئ واجهات المحال بالزينة والفوانيس، وتزدحم الأسواق الشعبية مثل "سوق الشورجة" في بغداد بالمتبضعين الباحثين عن مستلزمات المائدة الرمضانية من تمور، وتوابل، وعصائر طبيعية مثل "نومبصره" و"قمر الدين". هذا الشهر هو فرصة ذهبية للعراقيين لتقوية الروابط الاجتماعية، حيث تُفتح الدواوين والمضايف، وتُقام مآدب الإفطار الجماعية التي تجمع الأقارب والجيران دون تمييز، مما يعزز روح الوحدة الوطنية.
ما يجعل رمضان في العراق فريداً هو التمازج بين العبادة والتقاليد الموروثة. فبالإضافة إلى صلوات التراويح والقيام وقراءة القرآن الكريم في المساجد والعتبات المقدسة، هناك ثقافة شعبية غنية تتجلى في الألعاب الرمضانية مثل لعبة "المحيبس" الشهيرة التي تجمع أبناء المناطق المختلفة في منافسات تمتد حتى السحر. كما أن للصدقة والزكاة مكانة خاصة، حيث تنشط المبادرات الخيرية لتوزيع السلال الغذائية على العوائل المتعففة والأيتام، تجسيداً لمبدأ التراحم الذي حث عليه الدين الحنيف. إن رمضان في العراق هو رحلة سنوية نحو السلام الداخلي والتصالح مع الذات والمجتمع.
متى يبدأ شهر رمضان في عام 2026؟
ينتظر العراقيون بفارغ الصبر قدوم شهر الخير والبركة في العام المقبل. وبناءً على الحسابات الفلكية وتوقعات رؤية الهلال، فإن موعد بداية الصيام سيكون كالتالي:
تاريخ بداية رمضان: يصادف يوم Thursday الموافق February 19, 2026.
الوقت المتبقي: يفصلنا عن هذا اليوم المبارك 47 يوماً.
من المهم ملاحظة أن التقويم الهجري يعتمد على الدورة القمرية، ولذلك فإن التاريخ الدقيق قد يزاح يوماً واحداً زيادة أو نقصاناً اعتماداً على رؤية الهلال الشرعية التي تعلنها الجهات المختصة في العراق (سواء المجمع الفقهي العراقي أو المكاتب الشرعية للمراجع الدينية). وبناءً على البيانات الحالية، يُتوقع أن يبدأ الصيام الفعلي في 18 فبراير 2026، على أن تستمر أيام الشهر الفضيل لمدة 29 أو 30 يوماً، تنتهي بحلول عيد الفطر المبارك المتوقع في 20 مارس 2026.
الأهمية الدينية والروحية لرمضان في العراق
يمثل شهر رمضان الركن الرابع من أركان الإسلام، وهو الشهر الذي نزل فيه القرآن الكريم على النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). بالنسبة للعراقيين، الصوم ليس مجرد امتناع مادي، بل هو "صوم الجوارح" عن كل ما يسيء للآخرين. تزداد في هذا الشهر وتيرة العبادات بشكل ملحوظ؛ فالمساجد تكتظ بالمصلين في صلاة الفجر والتراويح، وتُقام المجالس الحسينية والمحاضرات الدينية التي تستذكر سيرة الصحابة وأهل البيت عليهم السلام.
في العراق، يحمل شهر رمضان أيضاً طابعاً خاصاً في "ليالي القدر" المباركة، وهي الليالي العشر الأواخر من الشهر. يتوجه آلاف العراقيين إلى المراقد المقدسة في النجف الأشرف، وكربلاء، والكاظمية، وسامراء، لإحياء هذه الليالي بالدعاء والاعتكاف. يؤمن العراقيون أن هذه الليالي هي فرصة لتغيير الأقدار وطلب المغفرة، ولذلك تجد المدن العراقية حية لا تنام حتى ساعات الصباح الأولى، حيث تختلط طقوس العبادة بمشاعر الأمل بمستقبل أفضل للبلاد.
عادات وتقاليد المائدة الرمضانية العراقية
المائدة العراقية في رمضان هي لوحة فنية تعكس غنى التراث المطبخي للبلاد. لا يمكن أن تخلو مائدة إفطار عراقية من "التمر" و"اللبن"، اقتداءً بالسنة النبوية، وغالباً ما يكون التمر من بساتين البصرة أو الحلة. بعد ذلك، تأتي "الشوربة"، وتعد شوربة العدس هي الملكة غير المتوجة للسفرة الرمضانية، حيث تمنح الصائم الدفء والطاقة اللازمة لبدء الوجبة الرئيسية.
أما الأطباق الرئيسية، فتتنوع حسب المناطق، ولكن تبرز أطباق مثل:
- الدولمة: وهي الخضروات المحشوة بالرز واللحم والتوابل، وتعتبر الطبق المفضل في العزائم الكبرى.
- التشريب: خبز منقوع بمرق اللحم أو الدجاج مع الحمص، وهو طبق مغذٍ وتقليدي جداً.
- البرياني العراقي: الرز المتبل مع اللحم، واللوز، والكشمش، والبطاطا.
- السمك المسقوف: خاصة في ليالي الجمعة الرمضانية، حيث يجتمع الأهل حول السمك المشوي على الحطب.
ولا تكتمل السهرة الرمضانية دون الحلويات، حيث تتربع "الزلابية" و"البقلاوة" و"حلاوة الحليب" على العرش، بالإضافة إلى "الكليجة" العراقية التي يبدأ تحضيرها في أواخر الشهر لاستقبال العيد. أما المشروبات، فإن "شربت الزبيب" و"نومبصره" هما الخيار الأول لإطفاء ظمأ الصائمين، خاصة مع الأجواء اللطيفة المتوقعة في شهر فبراير من عام 2026.
الحياة اليومية والعمل خلال رمضان في العراق
تتغير وتيرة الحياة في العراق بشكل جذري خلال شهر رمضان. تبدأ المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة بتعديل ساعات العمل، حيث يتم تقليص الدوام الرسمي غالباً بمقدار ساعة أو ساعتين لتمكين الموظفين من العودة إلى منازلهم والتحضير للإفطار. المدارس والجامعات أيضاً تشهد مرونة في الجداول الدراسية.
في فترة الظهيرة، تسود الشوارع حالة من الهدوء والسكينة، وتغلق معظم المطاعم والمقاهي أبوابها احتراماً لمشاعر الصائمين، باستثناء تلك التي تحصل على تصاريح خاصة لخدمة غير المسلمين أو المسافرين، وغالباً ما تكون خلف ستائر ساترة. ولكن، بمجرد اقتراب موعد الأذان، تبدأ الحركة بالذروة؛ حيث يتسابق الناس للوصول إلى بيوتهم، وتزدحم المخابز بالواقفين في طوابير للحصول على "خبز الحار" أو "الصمون الحجري".
بعد الإفطار، تنقلب الصورة تماماً. تفتح المقاهي أبوابها، وتضاء الشوارع بالأنوار، وتنتعش الحركة التجارية في الأسواق حتى وقت السحور. الشباب العراقي يتجمع في الساحات والمقاهي الشعبية لممارسة الألعاب التقليدية، بينما تخرج العوائل للتنزه في المتنزهات أو زيارة الأقارب، مما يجعل الليل في رمضان العراق أكثر حيوية من نهاره.
لعبة المحيبس: أيقونة الرمضانيات العراقية
لا يمكن الحديث عن رمضان في العراق دون ذكر "لعبة المحيبس". هي لعبة تراثية تعتمد على الفراسة وقوة الملاحظة، حيث ينقسم اللاعبون إلى فريقين (غالباً ما يمثل كل فريق منطقة أو مدينة). يقوم أحد الفريقين بإخفاء خاتم (محيبس) في يد أحد أفراده، وعلى رئيس الفريق الآخر (القائد) اكتشاف مكان الخاتم من خلال النظر في وجوه الخصوم وحركات أيديهم.
تقام بطولات كبرى للمحيبس في بغداد والمدن الأخرى، وتُنقل أحياناً على القنوات التلفزيونية. يرافق اللعبة غناء "المقامات العراقية" والأناشيد التراثية، وفي نهاية اللعبة، يقوم الفريق الفائز بتوزيع الحلويات (مثل الزلابية والبقلاوة) على الجميع، مما يعزز روح الأخوة والمودة بين المتنافسين. هذه اللعبة هي تجسيد حي للتلاحم الشعبي العراقي الذي يتجاوز كل الفوارق.
نصائح للزوار والأجانب في العراق خلال رمضان
إذا كنت تخطط لزيارة العراق خلال شهر رمضان في عام 2026، فإليك بعض النصائح الهامة لضمان تجربة محترمة وممتعة:
- الاحترام في الأماكن العامة: يُنصح بشدة بتجنب الأكل، الشرب، أو التدخين في الشوارع والأماكن العامة خلال ساعات الصيام. هذا التصرف يُنظر إليه كعلامة على الاحترام والتقدير للثقافة المحلية والصائمين.
- اللباس المحتشم: يفضل ارتداء ملابس محتشمة تغطي الكتفين والركبتين، خاصة عند زيارة المناطق القريبة من المساجد والمراقد الدينية.
- تلبية الدعوات: إذا دعاك عراقي لتناول الإفطار في منزله، فلا تتردد في القبول. الكرم العراقي في رمضان لا حدود له، وهي فرصة رائعة لتجربة الأطباق الأصيلة والتعرف على كرم الضيافة.
- التخطيط للتنقل: تجنب التنقل في الشوارع قبل ساعة من موعد الإفطار، حيث تشهد الطرق ازدحاماً شديداً وتوتراً في حركة المرور بسبب رغبة الجميع في الوصول لمنازلهم في الوقت المحدد.
- ساعات العمل: تأكد من مراجعة مواعيد المصارف والمكاتب الحكومية والمحال التجارية، حيث يغلق الكثير منها مبكراً في المساء ويفتح لوقت متأخر في الليل.
- الطقس: رمضان في فبراير 2026 سيكون ذا طقس معتدل وجميل في العراق (بين 10 إلى 20 درجة مئوية)، مما يجعله وقتاً مثالياً للتنزه الليلي والاستمتاع بالأجواء الرمضانية دون عناء الحرارة الشديدة.
هل بداية رمضان عطلة رسمية في العراق؟
من الناحية القانونية، لا تُعتبر بداية شهر رمضان عطلة رسمية في العراق. تستمر الدوائر الحكومية والشركات والمؤسسات التعليمية في العمل، ولكن كما ذكرنا سابقاً، يتم تقليص ساعات الدوام الرسمي بقرار من مجلس الوزراء عادةً لتسهيل الأمور على الصائمين.
أما العطلة الرسمية الكبرى المرتبطة بهذا الشهر، فهي عطلة عيد الفطر المبارك، والتي تبدأ بعد انتهاء شهر رمضان مباشرة وتستمر لمدة ثلاثة إلى أربعة أيام. خلال تلك الفترة، تغلق جميع الدوائر الرسمية أبوابها، وتعم الاحتفالات في كافة أرجاء البلاد. أما خلال أيام الصيام، تظل الأسواق والمحال التجارية مفتوحة، بل وتزيد ساعات عملها في المساء لتلبية احتياجات المتسوقين الذين يستعدون للعيد.
التكافل الاجتماعي والعمل الخيري
في العراق، رمضان هو شهر العطاء بامتياز. تنشط الجمعيات الخيرية والمبادرات الشبابية المستقلة في جمع التبرعات لتنظيم "موائد الرحمن" التي تقدم وجبات مجانية للمسافرين والفقراء. كما تنتشر ظاهرة "السلة الرمضانية"، وهي عبارة عن مجموعة من المواد الغذائية الأساسية (رز، زيت، سكر، بقوليات) تُوزع على العوائل النازحة أو المتعففة.
هذا التكافل لا يقتصر على الأفراد، بل يمتد للمساجد والكنائس أحياناً التي تشارك في تقديم المساعدات، مما يعكس لوحة فسيفسائية رائعة للمجتمع العراقي. الصدقة في هذا الشهر تُعتبر مضاعفة الأجر، ولذلك يحرص العراقيون على إخراج "زكاة الفطرة" قبل نهاية الشهر لضمان أن يتمكن الجميع من الاحتفال بالعيد بكرامة وسرور.
الخاتمة
رمضان في العراق ليس مجرد تاريخ على التقويم، بل هو نبض يتجدد كل عام ليذكر الناس بقيم الصبر، والتسامح، والمحبة. في عام 2026، سيكون لاستقبال الشهر الفضيل في شهر فبراير نكهة خاصة بفضل الأجواء الربيعية التي ستساعد الصائمين وتضفي جمالاً على الليالي البغدادية والبصرية. سواء كنت عراقياً يعيش في الداخل، أو مغترباً يحن لخبز بلاده، أو زائراً يرغب في استكشاف هذا الإرث العظيم، فإن رمضان في بلاد الرافدين سيبقى دائماً تجربة روحية واجتماعية لا تُنسى، تجمع القلوب على مائدة واحدة وتحت سماء واحدة تنشد السلام والأمان.
استعدوا من الآن لاستقبال February 19, 2026، واجعلوا من هذا الشهر فرصة لتعزيز الروابط ونشر الخير، فالعراق دائماً ما يثبت أن روحه الرمضانية هي أقوى من كل التحديات. رمضان كريم وكل عام والعراق وأهله بألف خير.