دليل شامل حول بداية شهر رمضان المبارك في لبنان
يُعتبر شهر رمضان المبارك في لبنان أكثر من مجرد فريضة دينية؛ إنه حدث اجتماعي وثقافي يصبغ البلاد بصبغة من الألفة والروحانية. في لبنان، بلد التنوع والتعايش، يمثل قدوم الشهر الكريم مناسبة تجمع القلوب، حيث تتزين الشوارع بالفوانيس، وتضاء مآذن المساجد، وتفوح من البيوت روائح الأطباق التقليدية التي تميز المطبخ اللبناني العريق. إن جوهر هذا الشهر يكمن في "اللمة" العائلية، وفي قيم التراحم والتكافل التي تتجلى في أبهى صورها من خلال موائد الرحمن وتوزيع المساعدات على المحتاجين.
ما يميز رمضان في لبنان هو ذلك المزيج الفريد بين الشعائر الدينية الصارمة والأجواء الاحتفالية التي تمتد حتى ساعات السحر. فمنذ لحظة الإعلان عن ثبوت رؤية الهلال، تتبدل وتيرة الحياة؛ فتصبح الأمسيات نابضة بالحياة في المقاهي الشعبية في بيروت وصيدا وطرابلس، وتصدح التواشيح الدينية في الأحياء القديمة. إنه وقت للتأمل الداخلي، وتجديد الإيمان، والابتعاد عن صخب الحياة اليومية للتركيز على العبادة والتقرب من الخالق، مع الحفاظ على الروابط الاجتماعية التي تشكل نسيج المجتمع اللبناني.
متى يبدأ شهر رمضان في 2026؟
ينتظر اللبنانيون بشوق تحديد موعد بداية الشهر الفضيل، والذي يعتمد أساساً على التقويم الهجري القمري ورؤية الهلال. بالنسبة لعام 2026، فإن المعطيات الفلكية تشير إلى التفاصيل التالية:
يوم بداية الصوم: يصادف يوم Wednesday.
تاريخ بداية رمضان: هو February 18, 2026.
الوقت المتبقي: بقي 46 يوماً على حلول الشهر المبارك.
من المهم الإشارة إلى أن موعد رمضان ليس ثابتاً في التقويم الميلادي، بل يتراجع حوالي 11 يوماً كل عام. ويتم التأكيد النهائي على الموعد من قبل دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية والمراجع الدينية المختصة بعد التماس رؤية هلال شهر رمضان في ليلة الشك (29 شعبان). ومن المتوقع أن يبدأ رمضان 2026 مساء يوم الثلاثاء 17 فبراير، ليكون أول أيام الصيام هو الأربعاء 18 فبراير.
ماهية شهر رمضان وأهميته الدينية
رمضان هو الشهر التاسع في السنة الهجرية، ويحتل مكانة عظيمة في قلوب المسلمين لأنه الشهر الذي أُنزل فيه القرآن الكريم على النبي محمد (صلى الله عليه وسلم). يُعد صيام رمضان أحد أركان الإسلام الخمسة، وهو فرض على كل مسلم بالغ عاقل مقيم قادر.
تتجاوز أهمية رمضان مجرد الامتناع عن الطعام والشراب؛ فهو مدرسة سنوية لتهذيب النفس وتقوية الإرادة. يهدف الصيام، أو "الصوم"، إلى تنمية التقوى في نفس المؤمن، وإشعاره بمعاناة الفقراء والمحرومين، مما يعزز روح التضامن الاجتماعي. إنه شهر التوبة والمغفرة، حيث يتفرغ المؤمنون للصلاة وقراءة القرآن والقيام بأعمال البر والإحسان.
الممارسات والعبادات الروحية في لبنان
خلال شهر رمضان، يشهد لبنان حراكاً إيمانياً كثيفاً يتجلى في ممارسات دينية متنوعة:
- الصيام (من الفجر حتى الغروب): يمتنع الصائمون عن الأكل والشرب والتدخين وكل المفطرات منذ أذان الفجر وحتى أذان المغرب. في لبنان، تُطلق "مدفع الرمضان" في العديد من المناطق لإعلام الناس بموعد الإفطار، وهو تقليد عثماني قديم لا يزال حاضراً في الذاكرة الشعبية.
- صلاة التراويح: بعد صلاة العشاء، تكتظ المساجد في بيروت، طرابلس، صيدا، وبعلبك بالمصلين لأداء صلاة التراويح. هذه الصلاة تعطي لليالي رمضان طابعاً روحياً خاصاً، حيث يتلو الأئمة أجزاء من القرآن الكريم بصوت شجي.
- وجبة السحور: هي الوجبة التي يتناولها المسلمون قبل طلوع الفجر لتقويتهم على الصيام. في الأحياء اللبنانية التقليدية، لا يزال "المسحراتي" يجوب الشوارع بطلبته الشهيرة ومناداته "يا نايم وحد الدايم"، ليوقظ الناس لتناول السحور.
- وجبة الإفطار: هي اللحظة المنتظرة حيث تجتمع العائلة حول مائدة تضم مالا يطاب من المأكولات. يبدأ الإفطار عادة بتناول التمر والماء أو "اللبن" اقتداءً بالسنة النبوية، يليه "الشوربة" (خاصة شوربة العدس) و"الفتوش" اللبناني الشهير الذي لا تغيب عناصره عن أي مائدة رمضانية.
- ليلة القدر: تقع في العشر الأواخر من رمضان، ويُعتقد أنها تصادف ليلة 27 رمضان (المتوقعة في 16 مارس 2026). يحيي اللبنانيون هذه الليلة بالصلاة والدعاء والذكر حتى مطلع الفجر، فهي ليلة "خير من ألف شهر".
العادات والتقاليد الرمضانية في لبنان
يتمتع رمضان في لبنان بنكهة خاصة تمتزج فيها العبادة بالتقاليد المتوارثة:
سيبانة رمضان: هي عادة بيروتية قديمة، حيث تخرج العائلات في آخر يوم من شهر شعبان إلى المتنزهات والشواطئ لتناول الطعام والشراب قبل بدء الصيام.
زينة رمضان: تزدان الشوارع والساحات العامة (مثل ساحة الشهداء وساحة النجمة) بالأهلة والنجوم المضيئة. كما تتنافس المحلات التجارية في عرض الفوانيس والزينة التي تضفي بهجة على الأجواء.
الحلويات الرمضانية: يشتهر لبنان بحلويات خاصة لا تكتمل السهرة الرمضانية بدونها، مثل "الكلاج"، "الشعبيات"، "القطايف" بالجوز أو القشطة، و"المفروكة".
المشروبات الرمضانية: يتربع "الجلاب" و"التمر هندي" و"عرق السوس" و"قمر الدين" على قائمة المشروبات الأساسية لتعويض السوائل المفقودة خلال النهار.
الخيم الرمضانية: تنتشر في بيروت والمناطق السياحية خيم رمضانية تقدم وجبات الإفطار والسحور مع أجواء تراثية وتواشيح دينية أو عزف على العود، مما يجذب الصائمين والسياح على حد سواء.
مدة الشهر ونهايته: عيد الفطر السعيد
من المتوقع أن يستمر شهر رمضان لعام 2026 لمدة 30 يوماً، حيث ينتهي عند غروب شمس يوم الأربعاء 18 مارس 2026. وبذلك، يُتوقع أن يحل عيد الفطر السعيد يوم الخميس 19 مارس أو الجمعة 20 مارس، بناءً على ثبوت رؤية هلال شهر شوال.
عيد الفطر هو جائزة الصائمين، حيث تبدأ الاحتفالات بصلاة العيد في الصباح الباكر، ثم يتبادل الناس التهاني بقولهم "عساكم من عواده" أو "كل عام وأنتم بخير". يتميز العيد في لبنان بزيارة الأقارب، وتقديم "العيدية" للأطفال، وتناول الغداء العائلي الحافل. كما يحرص اللبنانيون على دفع "زكاة الفطر" قبل صلاة العيد لضمان أن يتمكن الفقراء من مشاركة الجميع فرحة العيد.
الوضع القانوني والعطلات الرسمية
في لبنان، لا يُعتبر "بداية رمضان" عطلة رسمية. تظل الدوائر الحكومية والمؤسسات العامة والخاصة والمصارف والمدارس مفتوحة وتعمل بساعات عمل شبه اعتيادية. ومع ذلك، هناك بعض التغييرات الملموسة:
- تعديل ساعات العمل: تصدر رئاسة مجلس الوزراء اللبناني عادةً تعميماً يقضي بتقليص ساعات العمل في الإدارات العامة والمؤسسات العامة والبلديات بمقدار ساعة أو ساعتين يومياً مراعاةً للصائمين.
- المطاعم والمقاهي: في المناطق ذات الأغلبية المسلمة، قد تغلق العديد من المطاعم أبوابها خلال ساعات النهار وتفتح فقط عند الإفطار. أما في المناطق المختلطة أو السياحية، فتستمر العديد من المؤسسات في تقديم خدماتها كالمعتاد، مع احترام مشاعر الصائمين.
- الحركة المرورية: تشهد الطرقات في لبنان ازدحاماً خانقاً قبل موعد الإفطار بساعة تقريباً، حيث يسارع الجميع للوصول إلى منازلهم، بينما تصبح الشوارع شبه خالية تماماً لحظة أذان المغرب.
- عطلة عيد الفطر: على عكس بداية رمضان، يُعتبر عيد الفطر عطلة رسمية في لبنان لمدة يومين أو ثلاثة أيام، حيث تغلق جميع الدوائر الرسمية والخاصة أبوابها للاحتفال بهذه المناسبة الوطنية والدينية.
إن رمضان في لبنان هو تجسيد لروح الجماعة والتقاليد الأصيلة، حيث يلتقي الإيمان بالثقافة ليخلقا شهراً استثنائياً ينتظره الجميع كل عام بفارغ الصبر. سواء كنت صائماً أو زائراً، فإن تجربة رمضان في مدن وقرى لبنان هي تجربة غنية بالمشاعر والروائح والنكهات التي لا تُنسى.