ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري: يوم الوفاء والوحدة الوطنية
تُعد ذكرى استشهاد رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، التي تصادف في الرابع عشر من شباط من كل عام، محطة مفصلية في التاريخ اللبناني المعاصر. هذا اليوم ليس مجرد ذكرى عابرة، بل هو يوم وطني بامتياز يستذكر فيه اللبنانيون الرجل الذي ارتبط اسمه بإعادة إعمار لبنان بعد سنوات طويلة من الحرب الأهلية المدمرة. إنها مناسبة تجمع بين الحزن العميق على خسارة قائد وطني وبين الإصرار على استكمال مسيرة البناء والسيادة التي بدأها.
تتسم هذه الذكرى بقدسية خاصة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، حيث يرى الكثيرون في رفيق الحريري "أب الإعمار" والزعيم الذي نجح في وضع لبنان مجدداً على الخارطة الدولية. إن ما يجعل هذا اليوم مميزاً هو القدرة العجيبة لذكرى الحريري على حشد الآلاف من مختلف المناطق والطوائف اللبنانية، الذين يتدفقون نحو وسط بيروت للتأكيد على ثوابت العيش المشترك والاعتدال، وهي القيم التي ناضل من أجلها الحريري طوال حياته السياسية.
في هذا اليوم، تتحول بيروت، وتحديداً ساحة الشهداء، إلى قلب نابض بالوفاء. يرتدي المشاركون الأوشحة الزرقاء ويرفعون صور "الرئيس الشهيد"، في مشهد يمزج بين الألم والتمسك بالأمل. إنها لحظة للتأمل في مسار الوطن، واسترجاع الإنجازات التي تحققت في عهده، بدءاً من ترميم وسط بيروت التجاري وصولاً إلى تعليم آلاف الطلاب اللبنانيين في أرقى الجامعات العالمية عبر مؤسسته التربوية، مما ساهم في خلق جيل متعلم يطمح لبناء دولة المؤسسات.
موعد الذكرى في عام 2026
يحيي اللبنانيون هذه الذكرى الأليمة في موعد ثابت من كل عام، وهو يوم 14 شباط. وفي العام القادم، ستصادف الذكرى وفق المواعيد التالية:
يوم الذكرى: Saturday
التاريخ: February 14, 2026
الوقت المتبقي: بقي 42 يوماً على حلول هذه الذكرى.
تعتبر هذه المناسبة ذات تاريخ ثابت لا يتغير، حيث ترتبط باليوم المشؤوم الذي وقع فيه الانفجار الضخم في عام 2005. ومع اقتراب الموعد في كل عام، تبدأ الاستعدادات الشعبية والسياسية لإحياء هذه المناسبة بما يليق بحجم التضحية التي قدمها الرئيس الشهيد ورفاقه.
السياق التاريخي والجذور: من البناء إلى الاستشهاد
لفهم أهمية هذا اليوم، لا بد من العودة إلى مسيرة رفيق الحريري التي بدأت كقصة نجاح عصامية. وُلد الحريري في مدينة صيدا عام 1944، وانطلق من خلفية بسيطة ليصبح واحداً من أنجح رجال الأعمال في العالم. لكن طموحه لم يتوقف عند النجاح المالي، بل سخّر ثروته وعلاقاته الدولية لخدمة وطنه لبنان.
اتفاق الطائف ونهاية الحرب
لعب رفيق الحريري دوراً محورياً كونه مبعوثاً للعائلة المالكة السعودية في صياغة "اتفاق الطائف" عام 1989، وهو الاتفاق الذي وضع حداً للحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت 15 عاماً. كان الحريري يؤمن بأن استقرار لبنان يبدأ من التوافق السياسي، وهو ما نجح في تحقيقه من خلال تقريب وجهات النظر بين الأفرقاء المتنازعين.
عهد إعادة الإعمار
في عام 1992، تولى الحريري رئاسة الحكومة لأول مرة بعد الحرب، وأطلق ورشة إعمار وصفت بالأسطورية. شملت مشاريعه إعادة بناء البنية التحتية المتهالكة، وتطوير مطار بيروت الدولي، وشق الطرقات السريعة، وإعادة الروح إلى وسط بيروت الذي كان خط تماس دموياً. لم يكن الحريري يبني حجراً فحسب، بل كان يحاول إعادة بناء الثقة الدولية بلبنان كمركز مالي وسياحي في الشرق الأوسط.
الاستقالة والاغتيال
بعد سنوات من العطاء، واجه الحريري ضغوطاً سياسية كبيرة وتدخلات خارجية في الشؤون اللبنانية، مما أدى إلى استقالته في تشرين الأول 2004. وفي يوم 14 شباط 2005، وبينما كان موكبه يمر بجانب فندق "سان جورج" في بيروت، استهدفه انفجار هائل بأطنان من المتفجرات، مما أدى إلى استشهاده مع 22 آخرين، من بينهم مرافقوه والوزير الأسبق باسل فليحان.
أحدث هذا الاغتيال زلزالاً سياسياً لم يشهده لبنان من قبل، حيث انطلقت "ثورة الأرز" التي طالبت بخروج القوات السورية من لبنان وكشف الحقيقة. ولاحقاً، أصدرت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان أحكاماً بحق عناصر من حزب الله لضلوعهم في الجريمة، وهو ما نفاه الحزب مراراً، معتبراً المحكمة مسيسة.
تقاليد إحياء الذكرى والمظاهر الشعبية
تتسم ذكرى 14 شباط بطابع وجداني ووطني عميق، حيث يغيب عنها مظاهر الاحتفال الصاخب وتحل مكانها مراسم التكريم والصلاة.
التجمع في ساحة الشهداء
النشاط المركزي والرئيسي في هذا اليوم هو تجمع الآلاف من المواطنين في ساحة الشهداء بوسط بيروت. يتوافد الناس من الشمال والجنوب والبقاع والجبل، حاملين الأعلام اللبنانية ورايات "تيار المستقبل". تزدحم الساحة بالوفود التي تأتي لتجديد العهد للنهج الذي رسمه الحريري.
زيارة الضريح
يقع ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري بجوار مسجد محمد الأمين في وسط بيروت. طوال اليوم، تصطف طوابير طويلة من الناس، من سياسيين ودبلوماسيين ومواطنين عاديين، لوضع أكاليل الزهور وقراءة الفاتحة على روحه وروح رفاقه. تمثل هذه الزيارة لحظة خشوع وتأمل في حجم الخسارة التي مني بها الوطن.
الخطابات السياسية
غالباً ما تتضمن الذكرى كلمة رئيسية يلقيها نجل الشهيد، رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري، أو من يمثله. تتناول هذه الكلمات عادةً الوضع السياسي الراهن في لبنان، وتؤكد على ضرورة التمسك بالوحدة الوطنية، والعدالة، والاعتدال. في السنوات الأخيرة، أصبحت هذه الكلمات محط أنظار الجميع لما تحمله من رسائل سياسية هامة حول مستقبل البلاد.
المراسم الدينية
تقام في مختلف المساجد والكنائس صلوات لراحة أنفس الشهداء. رفيق الحريري كان معروفاً بدعمه للعيش المشترك، لذا يشارك رجال دين من مختلف الطوائف في إحياء هذه الذكرى، مؤكدين أن دماء الشهيد كانت من أجل كل لبنان وليس لفئة دون أخرى.
كيف يحيي اللبنانيون الذكرى في حياتهم اليومية؟
بالإضافة إلى التجمعات الكبرى، هناك طرق عديدة يعبر بها اللبنانيون عن تقديرهم لرفيق الحريري في هذا اليوم:
- وسائل التواصل الاجتماعي: تتحول صفحات اللبنانيين إلى معارض صور وفيديوهات توثق إنجازات الحريري وأقواله الشهيرة، مثل "ما حدا أكبر من بلده" و"استودع الله هذا البلد الحبيب لبنان".
- الأفلام الوثائقية: تحرص القنوات التلفزيونية اللبنانية على عرض برامج خاصة وأفلام وثائقية تتناول مسيرة حياته، ومن أشهرها فيلم "الرجل ذو النعل الذهبي" للمخرج عمر أميرلاي، الذي يقدم رؤية سينمائية لشخصية الحريري.
- توزيع الورود: يقوم الشباب في بعض المناطق بتوزيع الورود البيضاء أو الزرقاء على المارة كتعبير عن السلام والمحبة التي كان يدعو إليها الشهيد.
الأهمية السياسية والوطنية للذكرى
إن ذكرى 14 شباط ليست مجرد استذكار لشخص، بل هي استذكار لمشروع دولة. يرى الكثير من اللبنانيين أن اغتيال الحريري كان محاولة لاغتيال حلم لبنان المزدهر والمستقل. لذلك، فإن إحياء هذه الذكرى سنوياً هو بمثابة رسالة صمود وتأكيد على أن "مشروع الحريري" القائم على العلم والإعمار والانفتاح لا يزال حياً في قلوب اللبنانيين.
كما تساهم هذه الذكرى في تعزيز الهوية الوطنية، حيث يتناسى الناس خلافاتهم اليومية ليلتقوا حول رمز وطني جامع. إنها فرصة لتقييم المسار الذي سلكه لبنان منذ عام 2005، والتفكير في كيفية الخروج من الأزمات المتلاحقة عبر العودة إلى المبادئ التي وضعها الحريري، وأهمها الحفاظ على اتفاق الطائف كضمانة للسلم الأهلي.
معلومات عملية حول العطلة الرسمية
تعتبر ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري عطلة رسمية في كافة الأراضي اللبنانية. وبموجب مذكرة تصدر عن رئاسة مجلس الوزراء، تُقفل الإدارات العامة والمؤسسات العامة والبلديات والمدارس والجامعات في هذا اليوم.
ما الذي يتأثر بالإغلاق؟
الوزارات والدوائر الحكومية: تُقفل أبوابها بالكامل.
المصارف: تلتزم المصارف اللبنانية بالإقفال في هذا اليوم.
المؤسسات التعليمية: تعطل المدارس الرسمية والخاصة والجامعات.
- الشركات الخاصة: معظم الشركات الخاصة تعطي موظفيها إجازة في هذا اليوم، بينما قد تختار بعض المؤسسات التجارية العمل بدوام جزئي أو كامل حسب طبيعة عملها.
بالنسبة للمسافرين أو الزوار المتواجدين في لبنان خلال هذا التاريخ، يجب الأخذ بعين الاعتبار أن منطقة وسط بيروت (Downtown) تشهد إجراءات أمنية مشددة وإغلاقاً لبعض الطرق المؤدية إلى ساحة الشهداء والضريح لتأمين الوفود الشعبية والرسمية. يُنصح دائماً بمتابعة التقارير المرورية في ذلك اليوم لتجنب الازدحام.
في الختام، تبقى ذكرى 14 شباط يوماً محفوراً في ذاكرة ووجدان كل لبناني. إنها مناسبة لاستلهام العبر من رجل آمن بلبنان حتى الرمق الأخير، وضحى بحياته من أجل أن يبقى وطنه سيداً حراً مستقلاً. ومع حلول عام 2026، سيبقى اللبنانيون يتطلعون إلى ذلك اليوم الذي تتحقق فيه كل أحلام "الرئيس الشهيد" في بناء دولة قوية، عادلة، ومزدهرة تتسع لجميع أبنائها.