بداية شهر رمضان المبارك في الجزائر: دليل شامل لعام 2026
يعتبر شهر رمضان المبارك في الجزائر أكثر من مجرد فريضة دينية؛ إنه محطة سنوية يتوقف عندها الزمن لتتجدد فيها الروح، وتتقوى فيها الروابط الأسرية والاجتماعية. في الجزائر، بلد المليون ونصف المليون شهيد، يكتسي رمضان حلة خاصة تمزج بين القداسة الدينية والموروث الشعبي العريق الذي تراكم عبر العصور. هو شهر الصيام والقيام، ولكنه أيضاً شهر "اللمة" الجزائرية الأصيلة، حيث تفوح روائح "الشربة" و"الفريك" من كل بيت، وتصدح المآذن بأجمل التلاوات.
تستقبل الجزائر هذا الشهر بلهفة واشتياق، حيث تبدأ التحضيرات له قبل أسابيع من حلوله. يمثل رمضان فرصة للتوبة والتقرب من الخالق، ومناسبة لتعزيز قيم التضامن والتكافل بين أفراد المجتمع. الصيام في الجزائر ليس مجرد امتناع عن الأكل والشرب، بل هو مدرسة للصبر والتحمل، وتجربة روحية عميقة يعيشها المواطن في جو من السكينة والوقار، يتخللها كرم حاتمي يظهر في "موائد الرحمن" التي تنتشر في كل زاوية لإطعام عابري السبيل والمحتاجين.
متى يبدأ رمضان في الجزائر لعام 2026؟
ينتظر الجزائريون بفارغ الصبر حلول الشهر الفضيل في عام 2026. وبناءً على الحسابات الفلكية والتوقعات العلمية، فإن المعطيات تشير إلى ما يلي:
يوم بداية رمضان: يوافق يوم Wednesday.
تاريخ بداية رمضان: هو February 18, 2026.
الوقت المتبقي: لا يفصلنا عن هذا الموعد المبارك سوى 46 يوماً.
من المهم ملاحظة أن التقويم الهجري يعتمد على دورة القمر، ولذلك فإن التاريخ الدقيق يخضع لعملية "رصد الهلال". في الجزائر، تجتمع "اللجنة الوطنية للأهلة" بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف في ليلة الشك (29 شعبان) لاستقبال شهادات رؤية الهلال من مختلف ولايات الوطن. وبناءً على الرؤية الشرعية، يتم الإعلان رسمياً عبر وسائل الإعلام الوطنية عن بداية الشهر. لذا، قد يزحف التاريخ يوماً واحداً زيادة أو نقصاناً وفقاً للرؤية الميدانية، تماشياً مع السنة النبوية الشريفة: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته".
قدسية الشهر وأهميته الدينية
رمضان هو الشهر التاسع في التقويم الهجري، وهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. بالنسبة للجزائريين، الصيام هو الركن الرابع من أركان الإسلام، وهو واجب على كل مسلم بالغ عاقل. تتجلى عظمة هذا الشهر في ليلة القدر، التي هي "خير من ألف شهر"، والتي يحييها الجزائريون في ليلة السابع والعشرين من رمضان بكثير من الخشوع والدعاء، حيث تكتظ المساجد بالمصلين حتى الفجر.
تعتبر الصلاة ركيزة أساسية في يوميات الصائم الجزائري، وخاصة صلاة التراويح التي تحول المساجد إلى خلايا نحل. يتنافس القراء الجزائريون في تقديم أجمل التلاوات برواية "ورش عن نافع"، وهي الرواية السائدة في المغرب العربي، مما يضفي طابعاً روحياً فريداً على الليالي الرمضانية.
تقاليد استقبال رمضان في المجتمع الجزائري
تبدأ الاستعدادات في الجزائر قبل شهر شعبان، فيما يعرف بـ "التوجاد". تقوم ربات البيوت بحملات تنظيف واسعة للمنازل، ويتم طلاء الجدران في بعض المناطق الريفية، وشراء أوانٍ فخارية ونحاسية جديدة خصيصاً لهذا الشهر. كما تحرص العائلات على اقتناء التوابل الطازجة وطحنها في البيت لضمان نكهة "القدر" الجزائرية الأصيلة.
من التقاليد الجميلة أيضاً ما يعرف بـ "شعبانة"، وهي تجمعات عائلية تقام في أواخر شهر شعبان لتوديع أيام الإفطار والترحيب برمضان، حيث تذبح الذبائح وتقام المآدب. وفي ليلة الشك، يجتمع العائلات أمام شاشات التلفزيون بانتظار بيان وزارة الشؤون الدينية، وبمجرد إعلان ثبوت الرؤية، تنطلق الزغاريد في الأحياء الشعبية وتبدأ التهاني بعبارات مثل "رمضانكم بالصحة والهناء" أو "صح رمضانكم".
المطبخ الجزائري في رمضان: سيمفونية الأذواق
المائدة الجزائرية في رمضان هي لوحة فنية تعكس تنوع الثقافة الجزائرية من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب. لا يمكن تصور مائدة إفطار جزائرية بدون:
- الشربة أو الفريك: هي السلطانة غير المتوجة للمائدة، وهي حساء يعتمد على القمح المطحون (الفريك) واللحم والخضروات والكزبرة. في الغرب الجزائري، تحل "الحريرة" محل الشربة، وهي حساء غني بالتوابل والأعشاب.
- البوراك: هو رفيق الشربة الدائم، عبارة عن رقائق عجين محشوة باللحم المفروم أو البطاطس والجبن والبقدونس، ثم تقلى في الزيت.
- الطاجين الحلو: طبق يتكون من البرقوق المجفف والمشمش والزبيب مع اللحم والسكر والقرفة، ويقدم كرمز للفأل الحسن ليكون الشهر "حلواً".
- المثوم والشتيتة: أطباق رئيسية تعتمد على اللحم والثوم والتوابل القوية.
- الكسكسي: غالباً ما يخصص للسحور أو لليالي الجمعة في رمضان.
أما بالنسبة للحلويات، فإن "قلب اللوز" و"الزلابية" (خاصة زلابية بوفاريك الشهيرة) هي ملوك السهرات الرمضانية، حيث لا تكتمل سهرة "السينا" (صينية الشاي والحلويات) بدونهما.
الأنشطة الاجتماعية والسهرات الرمضانية
بعد الإفطار وصلاة التراويح، تتغير ملامح المدن الجزائرية. الشوارع التي كانت هادئة تماماً وقت الإفطار تنبض بالحياة فجأة. تفتح المقاهي أبوابها، وتنتشر طاولات بيع الحلويات التقليدية والشاي المنعنع.
تزدهر في الجزائر "البوقالات"، وهي لعبة شعبية نسوية عريقة تعتمد على إلقاء أشعار وألغاز شعبية قصيرة في جو من المرح والتفاؤل. كما تقام المهرجانات الثقافية والحفلات الموسيقية (الأندلسي، الشعبي، والمالوف) في مختلف دور الثقافة والمسارح.
للتضامن مكانة كبرى، حيث يتم تنظيم "ختان جماعي" للأطفال اليتامى ومن العائلات المعوزة، خاصة في ليلة القدر، في أجواء احتفالية يحضرها الأهل والجيران باللباس التقليدي (القفطان، الكاراكو، والجبة الجزائرية).
الجانب العملي: ساعات العمل والحياة اليومية
في الجزائر، لا يعتبر يوم بداية رمضان عطلة رسمية مدفوعة الأجر، ولكن الدولة تتبنى نظاماً خاصاً لساعات العمل. يتم تقليص ساعات العمل في الإدارات العمومية والمؤسسات الحكومية للسماح للموظفين بالعودة إلى منازلهم مبكراً للتحضير للإفطار.
المحلات التجارية: معظم المحلات تغلق أبوابها قبل الإفطار بساعة وتفتح مجدداً بعد صلاة التراويح وتستمر حتى ساعات متأخرة من الليل.
المطاعم: تغلق المطاعم والمقاهي أبوابها خلال النهار، باستثناء تلك التي تملك رخصاً خاصة أو التي تقدم وجبات محمولة قبل الإفطار.
النقل: تشهد حركة المرور ذروة اختناق قبل الإفطار بساعتين، بينما تخلو الشوارع تماماً وقت الآذان.
بالنسبة للزوار والأجانب في الجزائر، يُنصح دائماً بإظهار الاحترام لمشاعر الصائمين من خلال تجنب الأكل أو الشرب أو التدخين في الأماكن العامة خلال ساعات النهار. الجزائريون شعب مضياف جداً، ومن الشائع جداً أن يتم دعوة الأجنبي لمشاركة عائلة جزائرية مائدة الإفطار، وهي تجربة ثقافية لا تنسى.
من الصيام إلى العيد: رحلة الثلاثين يوماً
يستمر رمضان لعام 2026 لمدة 30 يوماً، حيث ينتهي يوم الخميس 19 مارس 2026. ومع اقتراب نهاية الشهر، تبدأ العائلات في التحضير لعيد الفطر المبارك. تتحول الاهتمامات من الطبخ اليومي إلى صناعة حلويات العيد (المقروط، الغريبية، التشاراك، والبقلاوة).
تزدحم الأسواق بالآباء والأمهات الذين يشترون ملابس العيد لأطفالهم، وتعم أجواء من الفرح والترقب. عيد الفطر في الجزائر هو عطلة رسمية وطنية تدوم لعدة أيام، وهو الوقت الذي تتبادل فيه العائلات الزيارات وتتصالح فيه النفوس، لتكتمل رحلة الروح التي بدأت مع أول يوم من شهر رمضان.
نصائح للمسافرين والمقيمين خلال رمضان 2026
إذا كنت تخطط للتواجد في الجزائر خلال شهر رمضان في عام 2026، إليك بعض المعلومات الهامة:
- التخطيط المسبق: حاول إنهاء معاملاتك الإدارية في الصباح الباكر، حيث تكون الإنتاجية في ذروتها والازدحام أقل.
- تجربة الإفطار: لا تفوت فرصة تجربة "إفطار الشارع" أو قبول دعوة منزلية؛ فهي الطريقة الأفضل لفهم عمق الثقافة الجزائرية.
- التسوق: الأسواق الشعبية قبل رمضان بأيام تكون مزدحمة جداً ولكنها مليئة بالألوان والروائح التقليدية التي تستحق المشاهدة.
- الطقس: في شهر فبراير ومارس 2026، سيكون الجو في الجزائر معتدلاً إلى بارد نوعاً ما، خاصة في الليل، مما يجعل ساعات الصيام مريحة ومناسبة للتنقل.
إن رمضان في الجزائر هو تجربة إنسانية ودينية فريدة، حيث تلتقي العبادة بالتقاليد في تناغم جميل، مما يجعل من بداية هذا الشهر في February 18, 2026 حدثاً ينتظره الجميع لتجديد الإيمان والروابط الإنسانية.