الإسراء والمعراج في اليمن: رحلة الإيمان والسمو الروحي
تعد ذكرى الإسراء والمعراج من أقدس المناسبات الدينية في قلوب اليمنيين، وهي الليلة التي تتجلى فيها معاني العبودية لله والتشريف الإلهي للنبي محمد صلى الله عليه وسلم. في اليمن، مهد الحضارات وبلد الإيمان والحكمة، تكتسي هذه الذكرى طابعاً روحانياً عميقاً يمتزج فيه عبق التاريخ الإسلامي مع التقاليد الاجتماعية الراسخة. إنها ذكرى الرحلة الإعجازية التي انطلقت من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى في القدس (الإسراء)، ثم العروج إلى السموات العلى (المعراج)، وهي رحلة لم تكن مجرد انتقال مادي عبر الزمن والمكان، بل كانت تثبيتاً لقلب النبي صلى الله عليه وسلم وتكريماً له بعد سنوات من الصبر والمشقة.
في الوجدان اليمني، تمثل هذه المناسبة نقطة تحول كبرى، حيث فُرضت فيها الصلاة، الركن الثاني من أركان الإسلام، والتي يحرص اليمنيون على أدائها بخشوع خاص في هذه الليلة. إن الحديث عن الإسراء والمعراج في اليمن ليس مجرد سرد لحدث تاريخي، بل هو استحضار للقيم الروحية التي تجمع المجتمع اليمني، وتذكره بمكانة القدس والمسجد الأقصى في عقيدتهم، كونه القبلة الأولى ومسرى نبيهم الكريم. تتجلى عظمة هذه الليلة في التأمل في قدرة الخالق وعظمته، وفي استلهام الدروس من لقاء النبي بالأنبياء السابقين، مما يعزز وحدة الرسالات السماوية في وعي الإنسان اليمني.
تتميز هذه المناسبة بكونها محطة سنوية لتجديد الإيمان وتطهير النفوس. فاليمنيون، الذين عُرفوا برقة قلوبهم ولين أفئدتهم كما وصفهم الرسول الكريم، يجدون في ذكرى الإسراء والمعراج فرصة للتقرب إلى الله بالدعاء والذكر. وبالرغم من الظروف الصعبة التي قد تمر بها البلاد، تظل هذه الليلة شعلة من الأمل والنور تضيء القلوب، حيث يجتمع الكبار والصغار للاستماع إلى السيرة العطرة، وتأمل أسرار تلك الرحلة التي تجاوزت حدود العقل البشري لتؤكد أن مع الله لا مستحيل.
متى يصادف تاريخ الإسراء والمعراج في عام 2026؟
ينتظر اليمنيون والمسلمون حول العالم هذه الذكرى العطرة في السابع والعشرين من شهر رجب من كل عام هجري. وبالنسبة لعام 2026، فمن المقرر أن تصادف هذه المناسبة يوم Friday الموافق January 16, 2026.
ومع اقتراب هذا الموعد، يتبقى حوالي 13 يوماً على إحياء هذه الليلة المباركة. ومن المهم الإشارة إلى أن تحديد التاريخ الدقيق يعتمد بشكل أساسي على رؤية الهلال وبداية شهر رجب في اليمن، حيث تتبع السلطات الدينية والمراصد الفلكية المحلية حركة القمر لتأكيد الموعد النهائي، وهو ما يجعل التاريخ عرضة للتغيير الطفيف بزيادة أو نقصان يوم واحد بناءً على الحسابات الشرعية.
الجذور التاريخية والدينية: رحلة من مكة إلى سدرة المنتهى
تعود أحداث الإسراء والمعراج إلى حوالي عام 621 ميلادي، في فترة عُرفت بـ "عام الحزن" بعد وفاة السيدة خديجة رضي الله عنها وعم النبي أبو طالب. جاءت هذه المعجزة لتكون مواساة إلهية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم. بدأت الرحلة ليلاً عندما جاء جبريل عليه السلام بالبراق، وهو دابة سماوية، ليحمل النبي من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في القدس. هذا الجزء هو "الإسراء" الذي خلده القرآن الكريم في سورة الإسراء بقوله تعالى: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا".
في المسجد الأقصى، أمّ النبي صلى الله عليه وسلم الأنبياء جميعاً في الصلاة، مما يرمز إلى إمامة هذه الأمة ووراثتها للرسالات السماوية. ثم بدأت مرحلة "المعراج"، وهي الصعود عبر السماوات السبع. في كل سماء، التقى النبي بنبي من الأنبياء العظام: آدم، عيسى، يحيى، يوسف، إدريس، هارون، موسى، وإبراهيم عليهم السلام. وصولاً إلى "سدرة المنتهى" حيث لم يصل بشر ولا ملك من قبل، وهناك فُرضت الصلوات الخمس التي نؤديها اليوم، والتي كانت في الأصل خمسين صلاة قبل أن تُخفف برحمة الله. بالنسبة لليمنيين، هذه التفاصيل ليست مجرد قصص، بل هي أساس عباداتهم اليومية واتصالهم بالسماء.
مظاهر الاحتفاء والتقاليد في اليمن
في اليمن، يتخذ الاحتفاء بذكرى الإسراء والمعراج طابعاً تعليمياً وتعبدياً أكثر منه احتفالياً صاخباً. لا توجد مهرجانات عامة أو استعراضات في الشوارع، بل يتركز النشاط في بيوت الله والمنازل:
- المساجد وحلقات الذكر: تكتظ المساجد في المدن اليمنية مثل صنعاء، تعز، تريم، وزبيد بالمصلين. تُقام دروس دينية بعد صلاة المغرب والعشاء تتناول تفاصيل الرحلة والدروس المستفادة منها. في مدينة تريم التاريخية بمحافظة حضرموت، والتي تُعد مركزاً للعلم والعلماء، تأخذ هذه الليلة طابعاً خاصاً بقراءة "قصة المعراج" والأناشيد الروحانية التي تمدح النبي الكريم.
- الاجتماعات الأسرية: تحرص العائلات اليمنية على الاجتماع في هذه الليلة. يقوم كبار السن، وخاصة الأجداد، بسرد قصة البراق ورحلة النبي إلى السماوات للأطفال، مما يغرس في نفوسهم حب النبي والتعلق بالقدس منذ الصغر.
- العبادة التطوعية: يميل الكثير من اليمنيين إلى إحياء الليل بالقيام، وقراءة القرآن، والدعاء. كما يحرص البعض على صيام يوم السابع والعشرين من رجب كنوع من التطوع والتقرب إلى الله، رغم أن الصيام ليس واجباً شرعياً مرتبطاً بالمناسبة بحد ذاتها، بل هو من باب الفضل.
- الأناشيد والمدائح: في بعض المناطق، تُنشد الموشحات اليمنية الأصيلة التي تتغنى بالمعجزة، مستخدمة إيقاعات هادئة تعكس جلال المناسبة.
العادات الاجتماعية والطعام
رغم أن الإسراء والمعراج ليس عيداً رسمياً يتطلب ولائم كبرى كعيد الفطر أو الأضحى، إلا أن اليمنيين يحرصون على إظهار الكرم في هذه الليلة. قد يتم تحضير بعض الأطباق التقليدية اليمنية مثل "بنت الصحن" أو "السبايا" بالعسل البلدي، وتقديم القهوة اليمنية الشهيرة (قشر أو بن) للضيوف الذين قد يتوافدون لزيارة الأقارب وتبادل التبريكات بهذه الليلة المباركة. في الريف اليمني، قد تضاء بعض المنارات أو تُشعل النيران في قمم الجبال بشكل رمزي قليل الحدوث اليوم، لكنه كان جزءاً من التقاليد القديمة لإعلان قدسية الليلة.
معلومات عملية للزوار والمغتربين في اليمن
إذا كنت تتواجد في اليمن خلال ذكرى الإسراء والمعراج في عام 2026، فإليك بعض النصائح الهامة:
السلوك العام: اليمن مجتمع محافظ جداً وذو نزعة دينية قوية. يُتوقع من الزوار احترام قدسية هذه الليلة. يُنصح بارتداء الملابس المحتشمة، خاصة عند الاقتراب من المساجد أو الأحياء القديمة. بالنسبة للنساء، يُفضل تغطية الرأس بوشاح عند دخول المناطق المحيطة بدور العبادة.
التصوير: إذا رغبت في تصوير المساجد المضاءة أو حلقات الذكر، يجب دائماً الاستئذان من القائمين على المسجد أو الأشخاص الموجودين، فاليمنيون يقدرون الخصوصية في لحظات التعبد.
المواصلات والتنقل: تكون الشوارع هادئة نسبياً خلال النهار، لكنها قد تشهد ازدحاماً طفيفاً حول المساجد الكبرى في المساء. يُنصح بالتخطيط للتنقل قبل وقت كافٍ من صلاة العشاء.
الأمن والسلامة: نظراً للأوضاع السياسية والأمنية المتقلبة في اليمن، يجب على الزوار الأجانب والمغتربين متابعة التحذيرات الأمنية الصادرة عن سفاراتهم أو الجهات المحلية، وتجنب التجمعات الكبيرة غير المنظمة.
هل الإسراء والمعراج عطلة رسمية في اليمن؟
من الناحية القانونية والإدارية، لا تُعتبر ذكرى الإسراء والمعراج عطلة رسمية بمرتب مدفوع في اليمن. تظل المؤسسات الحكومية، والمدارس، والجامعات، والشركات الخاصة مفتوحة وتعمل بساعاتها المعتادة.
ومع ذلك، هناك بعض النقاط التي يجب مراعاتها بخصوص ساعات العمل والأنشطة:
- ساعات العمل: رغم أنها يوم عمل عادي، إلا أن الإيقاع العام قد يميل إلى الهدوء في فترة ما بعد الظهر والمساء لتمكين الناس من التوجه للمساجد.
- المحلات التجارية: تظل الأسواق والمحلات التجارية مفتوحة، بل قد تشهد حركة نشطة لبيع الحلويات والبخور الذي يحرص اليمنيون على تطييب منازلهم ومساجدهم به في هذه الليلة.
- المؤسسات التعليمية: قد تخصص المدارس جزءاً من الطابور الصباحي أو حصص التربية الإسلامية للحديث عن المناسبة، لكن الدراسة تستمر بشكل طبيعي.
في الختام، تظل ذكرى الإسراء والمعراج في اليمن مناسبة للسمو بالروح وتجديد العهد مع الخالق. إنها ليلة تعكس عمق الهوية الإسلامية للشعب اليمني وارتباطه الوثيق بتاريخه الديني، موفرةً لحظات من السكينة والطمأنينة وسط تحديات الحياة اليومية. في يوم Friday الموافق January 16, 2026 من عام 2026، سيقف اليمنيون مجدداً، كما فعل أجدادهم لقرون، يتأملون في رحلة النور، داعين الله أن يعيد عليهم هذه الذكرى بالخير والأمن والسلام.