شهر رمضان المبارك في السودان: روحانية التكافل وعراقة التقاليد
يعتبر شهر رمضان المبارك في السودان أكثر من مجرد شعيرة دينية؛ إنه تظاهرة اجتماعية وثقافية فريدة تعكس عمق الهوية السودانية الممتزجة بالقيم الإسلامية السمحة. يمثل هذا الشهر الفضيل، وهو الشهر التاسع في التقويم الهجري، الركن الرابع من أركان الإسلام، وهو الوقت الذي أنزل فيه القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. بالنسبة للسودانيين، رمضان هو شهر "البركة" و"اللمة"، حيث تتجلى فيه أسمى معاني الصبر، والتقوى، والتراحم الاجتماعي الذي يشتهر به الشعب السوداني عبر التاريخ.
ما يميز رمضان في السودان هو تلك الروح الجماعية التي تطغى على كل تفاصيل الحياة اليومية. فمنذ لحظة ثبوت الرؤية، تتغير ملامح الشوارع والبيوت، وتفوح روائح التوابل السودانية المميزة من المطابخ، ويبدأ الناس في الاستعداد لرحلة إيمانية تستمر ثلاثين يوماً. إنه شهر الانقطاع عن الماديات والتركيز على الجوانب الروحية، حيث يمتنع المسلمون عن الطعام والشراب من طلوع الفجر وحتى غروب الشمس، ليس فقط كفعل بدني، بل كتدريب للنفس على الانضباط والشعور بمعاناة الآخرين الأقل حظاً.
في السودان، يرتبط رمضان بمفاهيم "الجود" و"الكرم"، حيث يفتح الناس أبوابهم وقلوبهم للجميع. وتعتبر ظاهرة "الإفطار الجماعي" في الشوارع والساحات العامة من أبرز السمات التي تميز السودان عن غيره من الدول الإسلامية، وهي تقليد راسخ يهدف إلى إطعام عابري السبيل والمحتاجين، وتعزيز الروابط بين الجيران، مما يخلق لوحة إنسانية رائعة تعكس كرم الشعب السوداني الفطري.
متى يبدأ رمضان في عام 2026؟
ينتظر السودانيون بفارغ الصبر قدوم شهر الخير في عام 2026. وبناءً على الحسابات الفلكية وتوقعات رؤية الهلال، فإن الموعد المحدد لبداية الصيام هو:
يوم الأسبوع: Wednesday
التاريخ: February 18, 2026
الوقت المتبقي: بقي 46 يوماً على بداية الشهر الفضيل.
من المهم ملاحظة أن تاريخ بداية رمضان هو تاريخ "متغير" وليس ثابتاً في التقويم الميلادي. يعود ذلك إلى أن التقويم الهجري يعتمد على دورة القمر، والشهر القمري يكون إما 29 أو 30 يوماً. وبما أن السنة القمرية أقصر من السنة الشمسية بنحو 10 إلى 11 يوماً، فإن رمضان يزحف سنوياً إلى الأمام، مما يجعله يمر عبر جميع فصول السنة على مدار دورة زمنية طويلة. في السودان، يتم تأكيد بداية الشهر رسمياً من خلال "مجمع الفقه الإسلامي" الذي يتحرى رؤية الهلال بالعين المجردة أو الأجهزة البصرية في ليلة الشك (29 شعبان).
تاريخ وأصول شهر رمضان
تعود قدسية شهر رمضان إلى العام الثاني للهجرة، عندما فرض الله الصيام على المسلمين. وفي السودان، دخل الإسلام وانتشر عبر القرون، حاملاً معه هذه الشعائر التي امتزجت بالثقافة المحلية لتنتج نمطاً فريداً من الاحتفاء. تاريخياً، كان السودانيون يستقبلون رمضان بـ "الزفة"، وهي مسيرة تجوب الشوارع يشارك فيها الصوفية بآلاتهم الإيقاعية وأناشيدهم الدينية، معلنين قدوم شهر الخير.
يرتبط رمضان في الوجدان السوداني بليلة القدر، وهي ليلة "خير من ألف شهر"، والتي يُتوقع أن تصادف في عام 2026 مساء يوم 16 مارس. هذه الليلة لها مكانة خاصة جداً، حيث يقضيها السودانيون في المساجد بالصلاة والقيام والدعاء حتى مطلع الفجر، طلباً للمغفرة والعتق من النار.
تقاليد وعادات الاستعداد لرمضان في السودان
يبدأ الاستعداد لرمضان في السودان قبل أسابيع من حلوله، فيما يعرف بـ "تجهيزات رمضان". تبدأ النساء في إعداد "الآبري" أو "الآبري الأحمر" (المديدة)، وهو المشروب الوطني الأول في رمضان. يتطلب إعداد الآبري عملية معقدة تسمى "الزريعة"، حيث يتم تنبيت الذرة ثم تجفيفها وطحنها وخلطها بمجموعة من التوابل مثل القرفة، والزنجبيل، والغرنجال، والكمون، ثم طهيها على "الصاج" في شكل رقائق رقيقة جداً. هذا المشروب ليس مجرد وسيلة لإرواء العطش، بل هو رمز للهوية السودانية في رمضان.
كما يتم شراء التوابل واللحوم المجففة (الشرموط) التي تستخدم في إعداد "الملاح" (الإدام السوداني)، وخاصة "الويكة". وتزدحم الأسواق مثل سوق أم درمان وسوق بحري بالمتبضعين الذين يبحثون عن أجود أنواع البلح (التمر) السوداني، مثل "القنديلة" و"التمود"، والتي لا يكتمل الإفطار بدونها.
طقوس الإفطار: "برش رمضان" والضيافة السودانية
أجمل ما في رمضان السودان هو "الإفطار الجماعي". قبل أذان المغرب بدقائق، يخرج الرجال والشباب إلى الشوارع حاملين "صواني الإفطار" ويفرشون "الأبراش" (سجادات مصنوعة من سعف النخيل أو البلاستيك) أمام منازلهم. الهدف الأساسي من هذه العادة هو قطع الطريق على المسافرين وعابري السبيل وإجبارهم (بكل لطف وإلحاح) على تناول الإفطار معهم.
تتكون مائدة الإفطار السودانية من أطباق تقليدية ثابتة:
- العصيدة: وتصنع من طحين الذرة أو القمح، وتؤكل مع "ملاح التقلية" أو "النعيمية".
- البليلة: وهي عبارة عن بقوليات مسلوقة (حمص أو لوبيا) وتعتبر طبقاً صحياً أساسياً.
- المشروبات: بالإضافة إلى "الآبري الأحمر" (الكركديه)، هناك "العراديب" و"التبلدي" و"القونقليز"، وهي مشروبات طبيعية غنية بالفيتامينات.
بعد تناول التمر والماء، يصلي الجميع صلاة المغرب جماعة في الشارع، ثم يعودون لإكمال إفطارهم وتناول القهوة السودانية (الجبنة) التي يتم إعدادها بطقوس خاصة تشمل حرق البخور.
العبادة والروحانيات: صلاة التراويح والتهجد
بعد الإفطار، تكتظ المساجد في كافة أنحاء السودان بالمصلين من الرجال والنساء والأطفال لأداء صلاة التراويح. تمتاز التراويح في السودان بالبساطة والخشوع، حيث تُتلى أجزاء من القرآن الكريم يومياً. في العشر الأواخر من رمضان، تزداد وتيرة العبادة ببدء صلاة التهجد في الساعات المتأخرة من الليل، ويحرص الكثيرون على الاعتكاف في المساجد.
تنشط أيضاً "الخلاوي" (المدارس القرآنية) في السودان خلال هذا الشهر، حيث يتجمع طلاب القرآن (المسيد) لتلاوة وتجويد الكتاب الكريم، وتقام حلقات الذكر الصوفية التي تضفي جوأً من الروحانية والسكينة في الليالي الرمضانية.
الحياة الاجتماعية والسهرات الرمضانية
لا تنتهي الحياة في رمضان بعد التراويح، بل تبدأ السهرات الاجتماعية. يتبادل السودانيون الزيارات العائلية، وتقام الأمسيات الثقافية والرياضية. في الأحياء، ينظم الشباب دورات رياضية لكرة القدم تُعرف بـ "دورات رمضان"، والتي تجذب جمهوراً كبيراً وتستمر حتى وقت السحور.
أما السحور في السودان، فهو وجبة خفيفة غالباً ما تتكون من "الرقاق" (رقائق من العجين تُؤكل مع الحليب الساخن والسكر)، وهي وجبة مريحة للمعدة وتساعد على تحمل ساعات الصيام الطويلة في طقس السودان الذي قد يكون حاراً.
نهاية الشهر الفضيل وعيد الفطر
مع اقتراب نهاية شهر رمضان، تبدأ مشاعر الحزن على فراق الشهر تمتزج بفرحة قدوم عيد الفطر المبارك. تبدأ الأسر في تحضير "خبيز العيد" (الكعك والبسكويت)، وهي عملية تشارك فيها الجارات والصديقات في جو من البهجة.
يُنظر إلى نهاية رمضان في السودان على أنها تتويج لجهد شهر كامل من العبادة والصبر. ومن المتوقع أن ينتهي رمضان في عام 2026 ببدء احتفالات عيد الفطر في الفترة ما بين 20 إلى 23 مارس 2026، اعتماداً على رؤية هلال شهر شوال.
هل بداية رمضان عطلة رسمية في السودان؟
وفقاً للقوانين واللوائح في السودان، فإن يوم بداية رمضان (المتوقع في February 18, 2026) يُعتبر مناسبة دينية وليس عطلة رسمية بحد ذاته. تظل المؤسسات الحكومية والمدارس والشركات الخاصة مفتوحة، ولكن يتم تعديل ساعات العمل الرسمية لتناسب ظروف الصيام. عادة ما يتم تقليص ساعات العمل اليومية بمقدار ساعتين أو ثلاث، ليبدأ العمل متأخراً وينتهي مبكراً، مما يسمح للمواطنين بالعودة إلى منازلهم وتجهيز الإفطار وأداء العبادات.
أما المحلات التجارية والأسواق، فقد تغير مواعيدها؛ حيث تغلق الكثير منها في فترة الظهيرة وتفتح أبوابها مجدداً بعد صلاة التراويح وحتى ساعات متأخرة من الليل. أما العطلة الرسمية الطويلة والمؤكدة فهي عطلة "عيد الفطر"، والتي تستمر عادة لمدة ثلاثة إلى أربعة أيام، وتكون فيها جميع الدوائر الرسمية مغلقة تماماً.
نصائح للمقيمين والزوار خلال رمضان في السودان
إذا كنت تتواجد في السودان خلال شهر رمضان في عام 2026، فإليك بعض النصائح الهامة:
احترام الصائمين: يُنصح بتجنب الأكل أو الشرب أو التدخين في الأماكن العامة خلال ساعات النهار تقديراً لمشاعر الصائمين.
المشاركة في الإفطار: إذا تمت دعوتك لتناول الإفطار في الشارع أو في منزل سوداني، فلا تتردد في القبول؛ فهي تجربة ثقافية وإنسانية لا تُنسى، ورفض الدعوة قد يُفهم بشكل خاطئ نظراً لكرمهم الزائد.
حركة المرور: تزدحم الشوارع بشكل كبير في الساعة التي تسبق أذان المغرب (ساعة الذروة)، لذا حاول تجنب التنقل في هذا التوقيت.
- التسوق: يفضل القيام بالتسوق في الصباح الباكر أو في المساء المتأخر لتجنب الزحام والحرارة.
رمضان في السودان هو تجسيد حي لمعاني الإنسانية والتكافل. إنه الشهر الذي يثبت فيه السودانيون أن ضيق اليد لا يمنع سعة القلب، وأن "اللقمة" مهما كانت بسيطة، فإنها تكفي الجميع إذا ما قُسمت بالمحبة. استعدوا لاستقبال 2026 بروح مفعمة بالأمل والتقوى، وكل عام والسودان وأهله بخير.