ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال: محطة فارقة في تاريخ المغرب الحديث
تعتبر ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، التي يخلدها الشعب المغربي في الحادي عشر من يناير من كل سنة، واحدة من أسمى المحطات التاريخية في مسار الكفاح الوطني من أجل الحرية والسيادة. إنها ليست مجرد ذكرى عابرة، بل هي تجسيد حي لروح التلاحم المتين بين العرش العلوي المجيد والشعب المغربي الوفي. في هذا اليوم، نستحضر شجاعة الرعيل الأول من الوطنيين الذين تجرأوا على تحدي القوى الاستعمارية، مطالبين بحق المغرب المشروع في تقرير مصيره واستعادة استقلاله الكامل تحت قيادة ملكه الشرعي.
تكمن خصوصية هذه الذكرى في كونها شكلت قطيعة نهائية مع مرحلة المطالبة بالإصلاحات الإدارية والقانونية في ظل الحماية، والانتقال الجذري نحو المطالبة الصريحة والعلانية بالاستقلال. لقد كانت الوثيقة بمثابة "مانيفيستو" سياسي وحقوقي صاغه ثلة من خيرة أبناء الوطن، معبرين عن نضج الوعي السياسي المغربي وقدرته على صياغة مشروع مجتمعي متكامل يربط بين نيل الحرية وبناء الدولة المغربية الحديثة. إن الاحتفاء بهذا اليوم هو احتفاء بالهوية الوطنية، وبالقيم والمبادئ التي تأسست عليها الدولة المغربية المعاصرة، وهي قيم الصمود، والوحدة الترابية، والوفاء للثوابت الوطنية.
في كل عام، يستلهم المغاربة من هذه الذكرى معاني التضحية والعمل الجاد من أجل رقي الوطن. إنها لحظة للتأمل في المنجزات التي تحققت منذ فجر الاستقلال، وفرصة لتجديد العهد على مواصلة مسيرة البناء والتنمية التي يقودها جلالة الملك محمد السادس. هذا اليوم يذكرنا بأن استقلال المغرب لم يكن هبة، بل كان ثمرة نضال مرير، ودماء طاهرة، وتنسيق محكم بين القمة والقاعدة، مما جعل من هذه الوثيقة وثيقة مرجعية تدرس للأجيال الصاعدة لتعزيز قيم المواطنة والاعتزاز بالانتماء لهذا الوطن العريق.
متى يصادف هذا العيد في عام 2026؟
يحتفل المغاربة قاطبة بهذه الذكرى الوطنية الغالية في تاريخ ثابت لا يتغير، وهو الحادي عشر من يناير. وبالنسبة لسنة 2026، فإن المعطيات الزمنية هي كالتالي:
يوم الاحتفال: Sunday
تاريخ الاحتفال: January 11, 2026
الوقت المتبقي: بقي 8 يوماً على حلول هذه الذكرى المجيدة.
يعتبر تاريخ 11 يناير موعداً قارا في الأجندة الوطنية المغربية، حيث أن الحدث التاريخي الذي يخلده وقع بالضبط في هذا اليوم من سنة 1944. وعلى عكس الأعياد الدينية التي تتبع التقويم الهجري وتتغير مواعيدها في التقويم الميلادي، فإن ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال تظل ثابتة، مما يسهل على المؤسسات التعليمية والثقافية والإدارية برمجة أنشطتها الاحتفالية والتواصلية مسبقاً.
السياق التاريخي وجذور الوثيقة
لفهم الأهمية البالغة لذكرى 11 يناير، يجب العودة بالذاكرة إلى أوائل القرن العشرين، وتحديداً منذ فرض معاهدة الحماية على المغرب سنة 1912. انقسم المغرب حينها إلى مناطق نفوذ فرنسية في الوسط، وإسبانية في الشمال والجنوب، بينما خضعت طنجة لنظام دولي. واجه المغاربة هذا الاحتلال بمقاومة مسلحة شرسة في الجبال والسهول (ثورة الريف، معارك الأطلس المتوسط، انتفاضات الجنوب)، لكن موازين القوى العسكرية كانت تميل لصالح المستعمر.
مع بداية الثلاثينيات، ظهرت "الحركة الوطنية" في المدن، وهي حركة سياسية فكرية قادها شباب مثقفون اعتمدوا أساليب جديدة في النضال، مثل إصدار الصحف، تأسيس الجمعيات، وتنظيم المظاهرات. في البداية، كانت مطالب الحركة الوطنية تتركز على "مطالب الشعب المغربي" الإصلاحية (1934)، التي نادت باحترام بنود معاهدة الحماية ومشاركة المغاربة في إدارة شؤونهم. إلا أن تعنت الإدارة الاستعمارية ونهجها لسياسة القمع والتمييز، أدى إلى قناعة راسخة لدى الوطنيين بأن "الإصلاح في ظل الحماية" هو وهم لا يمكن تحقيقه.
جاءت الحرب العالمية الثانية لتغير المعادلات الدولية. في عام 1943، احتضنت مدينة الدار البيضاء "مؤتمر آنفا" التاريخي، حيث التقى السلطان محمد بن يوسف (الملك محمد الخامس) بكل من الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل. خلال هذا اللقاء، تلقى السلطان وعوداً من الرئيس الأمريكي بدعم استقلال المغرب فور انتهاء الحرب، تقديراً لموقف المغرب المساند للحلفاء ضد النازية والفاشية. هذا الدعم الدولي، إلى جانب نمو الوعي الشعبي، شجع الحركة الوطنية على اتخاذ الخطوة الجريئة بتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال.
تفاصيل وثيقة 11 يناير 1944
في يوم 11 يناير 1944، قام 66 من قادة الحركة الوطنية، ومن بينهم امرأة واحدة هي السيدة "آمنة اللوه"، بتوقيع وثيقة تاريخية تم تسليم نسخ منها إلى السلطات الفرنسية (الإقامة العامة)، وإلى قنصليات الدول الكبرى (الولايات المتحدة، بريطانيا، والاتحاد السوفياتي).
تضمنت الوثيقة مطالب واضحة وحازمة يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
- في السياسة العامة: المطالبة باستقلال المغرب ووحدته الترابية تحت ظل صاحب الجلالة ملك البلاد سيدي محمد بن يوسف.
- في السياسة الدولية: التماس انضمام المغرب للدول الموقعة على "ميثاق الأطلسي" والمشاركة في مؤتمر الصلح.
- في السياسة الداخلية: الرعاية الملكية لحركة الإصلاح التي تتوقف عليها تنمية البلاد، وتأسيس نظام سياسي شورى شبيه بنظام الحكم في البلاد العربية والإسلامية في الشرق، تحفظ فيه حقوق سائر فئات ومكونات الشعب المغربي.
كان رد فعل سلطات الحماية الفرنسية عنيفاً، حيث شنت حملة اعتقالات واسعة في صفوف الموقعين على الوثيقة والقادة الوطنيين، واندلعت مظاهرات عارمة في الرباط وسلا وفاس ومدن أخرى، سقط فيها العديد من الشهداء. لكن هذه الدماء لم تزد المغاربة إلا إصراراً، وأصبحت الوثيقة ميثاقاً وطنياً لا رجعة عنه.
كيف يحيي المغاربة هذه الذكرى؟
تتخذ الاحتفالات بذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال طابعاً رسمياً وشعبياً يعكس قيمة الحدث في الوجدان المغربي.
الأنشطة الرسمية والمراسم
تقوم المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بتنظيم مهرجانات خطابية وأنشطة ثقافية في مختلف مدن المملكة. يتم خلال هذه اللقاءات إلقاء كلمات تستعرض سياق الحدث وبطولات المقاومين. كما يتم تكريم قدماء المقاومين وعائلاتهم، وتوزيع أوسمة ملكية تقديراً لخدماتهم الجليلة للوطن. في الرباط، غالباً ما يتم التوجه إلى ضريح محمد الخامس للترحم على روحي الملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني، مهندسي استقلال المغرب وبنيانه الحديث.
الدور التربوي والتعليمي
تعتبر المؤسسات التعليمية (المدارس والثانويات) فضاءً أساسياً للاحتفاء بهذه الذكرى. يتم تنظيم مسابقات في الرسم، وكتابة المقالات، وتقديم عروض مسرحية تجسد لحظة تقديم الوثيقة. الهدف من هذه الأنشطة هو ربط الناشئة بتاريخهم الوطني، وتعريفهم بالتضحيات التي قدمها أجدادهم لكي ينعم المغرب اليوم بالحرية والأمن. تخصص الإذاعة المدرسية فقرات للحديث عن أسماء الموقعين على الوثيقة وأهم بنودها.
التغطية الإعلامية والثقافية
تخصص القنوات التلفزيونية والإذاعات الوطنية برامج خاصة، وثائقيات، ولقاءات مع مؤرخين وباحثين لتحليل أبعاد الوثيقة وتأثيرها على مسار التحرر الوطني. كما تنشر الصحف والمواقع الإخبارية مقالات رأي وتحقيقات تاريخية تسلط الضوء على جوانب غير معروفة من كفاح الحركة الوطنية في تلك الفترة.
القيم والدروس المستفادة
إن الاحتفال بذكرى 11 يناير يتجاوز مجرد سرد الأحداث التاريخية، ليصل إلى استحضار منظومة من القيم التي يحتاجها المغرب في حاضره ومستقبله:
وحدة الصف: أثبتت الوثيقة أن قوة المغرب تكمن في اتحاد ملكه وشعبه. هذا التلاحم هو الذي مكن البلاد من تجاوز أصعب الأزمات.
النضال السلمي والمؤسساتي: رغم قوة المستعمر، اختار الوطنيون أسلوباً حضارياً يتمثل في تقديم وثيقة قانونية وسياسية، مما أحرج فرنسا أمام المجتمع الدولي وأظهر نضج النخبة المغربية.
الاعتزاز بالهوية: أكدت الوثيقة على الهوية الإسلامية والعربية والأمازيغية للمغرب، ورفضت كل محاولات الطمس الثقافي التي حاول الاستعمار فرضها.
الاستمرارية: يرى المغاربة في "ثورة الملك والشعب" امتداداً لروح وثيقة 11 يناير، وصولاً إلى "المسيرة الخضراء" المظفرة، مما يعكس استمرارية الكفاح الوطني من أجل استكمال الوحدة الترابية.
هل 11 يناير عطلة رسمية في المغرب؟
نعم، يعتبر يوم 11 يناير، ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، يوم عطلة رسمية مدفوعة الأجر في جميع أنحاء المملكة المغربية.
ماذا يترتب على هذا الإعلان؟
الإدارات العمومية: تغلق جميع الوزارات، والجماعات الترابية، والإدارات العمومية أبوابها في هذا اليوم.
المؤسسات التعليمية: تتوقف الدراسة في جميع المدارس، الثانويات، والجامعات (العمومية والخصوصية).
القطاع الخاص: تمنح معظم الشركات والمقاولات في القطاع الخاص عطلة لموظفيها، التزاماً بقانون الشغل المغربي المتعلق بالأعياد الوطنية.
الخدمات والأسواق: المحلات التجارية الكبرى والأسواق والمقاهي والمطاعم تظل مفتوحة عادة، بل وتشهد إقبالاً كبيراً من المواطنين الذين يستغلون العطلة للتنزه أو السفر القصير.
النقل: تستمر وسائل النقل العام (الحافلات، الترامواي، القطارات) في العمل، وغالباً ما تعتمد جدولاً زمنياً خاصاً بأيام العطل.
تعتبر هذه العطلة فرصة للعائلات المغربية للاجتماع ومناقشة معاني الوطنية، كما أنها تمنح وقتاً للمواطنين للمشاركة في الأنشطة الثقافية والرياضية التي تنظمها الجمعيات المحلية احتفاءً بهذه المناسبة.
خاتمة
إن ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير هي تذكير دائم بأن الحرية تُنتزع ولا تُعطى، وأن إرادة الشعوب حين تلتقي بإرادة قادتها المخلصين لا يمكن لأي قوة استعمارية أن تقف في وجهها. في 2026، سيقف المغاربة مرة أخرى، كما فعلوا دائماً، وقفة إجلال وتقدير لشهداء الوطن ولموقعي الوثيقة، مؤكدين التزامهم بمواصلة مسيرة التنمية والازدهار والدفاع عن ثوابت الأمة المغربية العريقة. إنها ذكرى للفخر، ومحطة للشحن المعنوي، ومنارة تضيء طريق المستقبل للأجيال القادمة في مغرب حر، مستقل، وشامخ.